محمد متولي الشعراوي
5914
تفسير الشعراوى
ويقول الحق سبحانه بعد ذلك : فَذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَما ذا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ « 1 » وقد جاء قول الحق سبحانه : فَذلِكُمُ إشارة منه إلى ما ذكره قبلا من الرزق ، وملكية السمع والأبصار ، وقدرة إخراج الحىّ من الميت ، وإخراج الميت من الحي ، وتدبير الأمر . إذن : فقوله سبحانه : فَذلِكُمُ إشارة إلى أشياء ونعم كثيرة ومتعددة أشار إليها بلفظ واحد ؛ لأنها كلها صادرة من إله واحد . فَذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ . . ( 32 ) [ يونس ] ولا يوجد في الكون حقّان « 2 » ، بل يوجد حق واحد ، وما عداه هو الضلال ؛ لذلك يقول الحق سبحانه : فَما ذا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلالُ . . ( 32 ) [ يونس ] إذن : أنتم إن وجّهتم الأمر بالربوبية إلى غيره ؛ تكونون قد ضللتم الطريق ، فالضلال أن يكون لك غاية تريد أن تصل إليها ، فتتجه إلى طريق لا يوصّل إليها . فإن صرفتم من الإله الحق فأنتم تصلون إلى الضلال . ولذلك ينهى الحق سبحانه الآية بما يبين أنه لا يوجد إلا الحق أو الضلال ، فيقول سبحانه : فَأَنَّى تُصْرَفُونَ . . ( 32 ) [ يونس ]
--> ( 1 ) فأنى تصرفون : أي : كيف تصرفون عقولكم إلى عبادة ما لا يرزق ولا يحيى ولا يميت . [ تفسير القرطبي 4 / 3267 ] . ( 2 ) الحق واحد لا بمنظور الفكر البشرى ولكنه بمنهج الحق ذاته ؛ لأن حقائق الأشياء ثابتة ، والعلم بها متحقق خلافا للسفسطائية ، وخلافا لمن يعتقدون أن الباطل حق ، والحق باطل فليس الحق خاضعا لتخريف العقول ، وتخريف الفكر بغية المخالفة والمغالطة .